أحمد بن محمد الخضراوي
49
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه
فهي كالمقباس فمدت له العلياء باعها ، وأرخت عليه سعود المطالع قناعها . له نظم فائق كالغرر ، وقصائد نظامها منضّد كالدّرر ، منها أنه نظم قصيدة غراء يمدح فيها الأمير بشير « 1 » ، فأجازه جائزة سمع في الخافقين طنينها ، وعلا على هام تلك الديار حنينها ، فسمع بذلك حضرة المرحوم عبد الله باشا ، والي عكة ، فغضب حينئذ لذلك فأتى به مغلولا مقيدا ، فحبسه ، فلما صار في الحبس نظم قصيدة أخرى غراء يمدح فيها حضرة الوالي المذكور ، ويعرّض فيها بقوله : « إن الداعي لمدحي الأمير بشير كان سببا لكوني أتملّى بمحيا طلعتكم السنية ، وإلا كان من أين لي الوصول إلى هذا المقام العالي ؟ وحيث إنه صار لي المطلوب فإني أرى ما أنا فيه من الحبس والأغلال قليل في كوني حظيت بالنظر لمحياكم الجميل ؛ فوالله الذي لا ربّ غيره لما علمت بذلك أن مدح الأمير بشير يوصلني لحضرة سيادتكم في كل حين لأمدحنه بكرة وعشية ، على تعاقب الجديدين « 2 » ، واختلاف النّيّرين « 3 » ، حتى أكون في كل يوم وليلة مستشرفا بسنا محيّاكم ، وأقتبس من التوصل لرؤياكم » فحين قرأها أمر بإطلاقه ، وخلع عليه ، وقرّبه ، وأكرمه بجائزة سنية ، ورتّب له ما يكفيه بشرط الجلوس ببلده ، والمجيء له بكرة وعشية ، ولا يمدح الأمير بشيرا ، فرحم الله تلك الأرواح .
--> ( 1 ) ترجم له المؤلف . الترجمة 93 ( 2 ) الجديدان : الليل والنهار ( 3 ) النيران : الشمس والقمر